الأحد، 7 ديسمبر، 2014

المحور الثالث : الايديولوجيا والوهم

: الوضعية المشكلة
بما ان الانسان واع ومفكر الى جانب كونه كائن غريزي تتحكم فيه رغبات . فهل ينتج دائما معرفة حقيقية خالصة ام ان معرفته متداخلة على الوهم الاديولوجي ؟ وهل يمكن التخلص من الاوهام ام انها ملازمة للفكر الانساني ؟

: موقف ماركس
-الاشكالية : حين يمكن تاسيس معرفة حقيقية ومستقلة عن الاديولوجيا . هل انطلاقا من الفكر ام الواقع ؟
- يقتضي معرفة حقيقية حول الواقع الانطلاق من الواقع ذاته الذي يحدد بدوره الفكر ويكون مصدرها الفكري في استقلال عن الواقع تعطي صورة معكوسة عنه وهذا ما يسمى بالاديولوجيا .
-عناصر الاطروحة : ان الوعي والفكر الانساني هو انعكاس للحياة المادية الواقعية بحيث ان كل انتاج للافكار يكون مشروطا بالنشاط المادي والمبادلات المادية بين الناس - تنتج الاديولوجيا من خلال عملية قلب الواقع واعطاء صورة معكوسة عنه ( كما يحدث في العلبة السوداء ) لا يرتبط باي تاريخ ومن ثم فان الوعي الحقيقي بحيث ينطلق من الواقع المادي وليس الفكر .

موقف نيتشه :
يعتبر نيتشه ان كل ما انتجه الانسان من معارف وحقائق عبارة عن اوهام نسينا انها كذالك لانها لا تنتج بفعل سوء استخدام العقل بل انها ناتجة عن رغبة لا شعورية في حفظ البقاء فكثيرا ما تقدم الاوهام نفسها على انها حقائق وهي تصدر عن شيئين :
- العقل : لايتم استخدام العقل لاكتشاف الحقيقة بقدر ما يوظف للاخفاء والتظليل خاصة حين يكون في الكشف عن الحقيقة خطرا يهدد حياة الانسان . لذا يلجئ العقل الى الكذب والوهم ويغلفها بقالب منطقي صارم يخفي وظيفة الاساسية على مستوى الصراع الاجتماعي الذي يقتضي ان تقوم فئة الضعفاء بانتاج سلسلة من الافكار والمعارف التي تشوه الاوهام وذالك بغاية الاحتماء من بطش الاقوياء .
- اللغة : ان الوعي بالعالم الخارجي وبالذات يتم التعبير عنه عبر الخطاب . والخطاب لا يكون مطابقا للواقع نظرا لان اللغة هي عبارة عن تشبيهات واستعارات وضعها الفكر ولا تكون وسيلة للكشف بل هي فقط وسيلة يستعملها الضعفاء من الناس للتعبير عن القيم والعقائد الوهمية التي يحتمون بها من اعتداء الاقوياء وذالك في لغة شعرية خطابية جذابة ويشير نيتشه الى ان التخلص من الوهم امر بالغ الصعوبة ان لم يكن مستحيلا على العكس الخطا الذي يمكن تصحيحه لانه ينتج عن سوء استخدام العقل بينما الوهم فهو موضوع رغبة وهذا هو السبب الذي يجعل الانسان يتشبث به ويعتبر حقيقة ومن جهة اخرى لا يمكن التخلص من الاوهام لانها بحسب نيتشه عبارة عن اوهام نافعة ينظر الى انها اثبتت فعاليتها في مملوكة الصراع من اجل البقاء .

: خلاصة تركيبة
لاينتج الانسان معرفة موضوعية حول الواقع بل غالبا ما تستبغ معرفته بالذات ورغباتها على اعتبار ان الانسان يتداخل في جانبي . جانب واعي وهو الفكر ثم واجب الاواعي الرغبة
المحور الثاني : الوعي واللاواعي
...
-الوضعية المشكلة : ان ملاحظة سلوكات الناس تقضي الى ان هناك جانبين يتقاسمانها جانب واع يكون افعال الانسان الارادية والجانب الاواعي تصدر عنه افعال لا ارادية مما يجعلنا نطرح السؤال التالي
-هل الوعي خاصية ثانية في الانسان ام انها من الممكن ان تغيب ليحل محلها اللاواعي ؟ وما العلاقة القائمة بين الوعي
واللاواعي هل هي علاقة انقض ام مداخل ؟

: موقف فرويد
انطلاقا من تحليل البنية النفسية للفرد يتوصل فرويد الى ان الجهاز النفسي للانسان يتكون من ثلاث ميكانيزمات متفاعلة فيها ودرجة نفاعلها هو الذي يحدد طبيعة السلوك الانساني ويمكن تحديد هذه الميكانيزمات في ثلاثالهو : وهي الدوافع النظرية التي يزود بها الانسان منذ ولادته والتي تتطلب التحقق السريع والمباشر بغض النظر عما يقبله الواقع او لا يقبله ولعل اهم هذه الدوافع هو الدافع الجنسي او ما يسمى "اليبدون" وهو عبارة عن طاقة جنسية يزود بها الانسان منذ طفولته المبكرة ويحكم هذا الهو مبدا تحقيق اللذة وتجنب الالم .الانا : ويقصد بها الجانب الواعي للفرد الذي يتشكل عبر الاحتكاك مع معطيات العالم الخارجي ووظيفته تكمن في ملائمة رغبات الهو مع متطلبات الواقع اي السماح للهو بالاشباع فقط اذا كان لا يتعارض مع مبدا الواقع .
الانا الاعلى :
وتتمثل في مجموع القيم والحضارة والاخلاقية المستمد من السياق الاجتماعي للفرد وتتخلى مهمتها في مراقبة الهو وقمع وكبت رغباته انسجاما مع نسق القيم الاخلاقية والعادات الاجتماعية التي يمثلها.
- ويعتبر فرويد الانا اهم عنصر نظرا لانه يخلق التوازن ويخفف من حدة التوتر التي تنجم عن الصراع بين كل من الهو والانا والاعلى على ان الرغبات الصادرة عن الهو لاتختبئ بشكل نهائي بل انما تختبئ في منطقة نفسي اطلق عليها فرويد اسم لاشعور وهو بمثابة خزان للمكيونات التي تتحيل الفرصة لتطفوا على السطح من جديد بشكل رمزي ( كالاحلام - فلذات اللسان - نكت- الهذيان - الفن ... ) تبعا لذالك يعتبر فرويد ان اغلب السلوكات التي تصدر عن الفرد لا يمكن استرجاعها الى الوعي اذ نظل عاجزين عن تفسير سبب وجود فلذات اللسان او الاحلام او زلات القلم التي يمكن اعتبارها كلها افعال لا ارادية تخرج من دائرة الوعي ومنه فان الاشعور هو الموجه الخفي والرايسي لسلوكات الفرد بل هو الموجه كذالك للافعال الواعية كالفن ...


: موقف آلان
يعترض آلان على فرضية الاشعور التي قام بها فرويد ويعتبر ان كل فعل انساني هو فعل واعي وارادي لان ما يترتب عن افتراد وجود الحياة الاشعورية تتحكم في حياة الانسان . معناه سلب اهم ما تتميز به الذات من وعي وارادة وحرية وان تصدر عن الانسان افعال تفتقر الى الارادة وتنبع من الاشعور اي مجموع رغبات مكبوت تتحكم في سلوكات الانسانية فهذا يأدي الى الاعلاء من شان الجسد والغريزة على حساب الحرية كما يؤدي من جهة اخرى الى تبرير الفعل الا اخلاقي ما دامت ان افعال الانسان غير متحكم فيها وتبعا لذالك يؤكد آلان ان كل ما يصدر عن الانسان من افعال انما هي افعال واعية ومسؤولة عن الفكر الانساني وهو فكر ارادي
: خلاصة تركيبية
على اعتبار ان الانسان كائن يتحدد في المقام الاول كعضوية ( الجسد ) تتحكم فيها رغبات ذات طابع غريزي الى جانب كونه فكر و وعي و ارادة فانه يمكن اعتبار الافعال الانسانية واعية واللاوعية في نفس الان. اي ان الانسان يتداخل فيه كلا الجانبين ( الوعي واللاوعي ) .
تمهيد:ما الانسان

ان السؤال "ما الانسان" من بين الاسئلة الكبرى التي اهتمت بها الفلسفة منذ بدايتها الاولى بحيث اعتبرت الوجود الانساني يتميز عن باقي الموجودات غير ان الفلسفات التي تمت بتعريف الانسان اختلفت في تحديد الخط الفاصل بين العالم الانساني والعالم الطبيعي فهناك ما حدد العقل كصفة جوهرية وهناك من اعتبر ان الخاصية الاساسية للانسان من كونه يستعمل رموز لغوية وحدده الاخر بصناعة الادوات ... وهذه التحديدات لا تقدم جوابا نهائيا بقدر ما تعمق السؤال "ما الانسان" اذ يدل هذا الاختلاف على استمرار البحث فيما يشكل خاصية جوهرية للانسان :
- هل كونه يعي ما حوله او كونه يعيش في اطار جماعات و يتواصل عبر اللغة ؟ ام لانه يحول المجال الطبيعي الى اشياء مصنوعة

1- الوعي واللاواعي :المحور الاول : الادراك الحسي والشعور
-حين يصنع الانسان الادوات محولا بذلك الطبيعة وحين يحول الموجودات المحيطة به فان ذلك يدل على انه يتفاعل مع العالم الذي يعيش فيه على عكس باقي الكائنات التي تصدر عنها استجابات انفعالية غريزية لذا فانه يمكن القول ان على ما يصدر عن الانسان من حركات و افعال تتم بالنسبة اليه في وضوح تام بحيث يدرك هذه الافعال ويعيها .
- فكيف ينشئ الوعي هل انطلاقا من الادراك الحسي للعالم الخارجي ام انه تجربة ذاتية تتم في استقلال عن المثيرات الخارجية وتشترط حضور الفكر ؟

موقف ديكارت :
-يشك ديكارت في كل شيئ الى في قدرته على التفكير فيما انه يشك ويفكر فهو يدرك انه موجود وهذا ادراك لا علاقة له بالحواس فهو يعتبر هذه الاخيرة خادعة وبالتالي فهو لا يستطيع تاكيد ما حوله لانه يستخدم فيها وسيلة خادعة اذن فكل ما هو خارج عن الذات قابل للشك وتبعا لذلك فالوعي هو تجربة ذاتية مستقلة عن المثيرات الخارجية .

موقف دهيوم :
اشكاليته : ما علاقة الوعي بالاحساس ؟ هل هي علاقة ترابط ام انفصال ؟
-يعتبر ان علاقة الوعي بالاحساس هي علاقة ضرورية بحيث ان الاول يستلزم حضور الثاني في حالة ..فان الانا تفقد وجودها وقد وظف امثلة تؤكد وتدعم اطروحته
-الاطروحة النقيض : ( النوم - الموت- الحرارة- البرودة ..)
-مقارنة بين الحالة التي يحضر فيها الاحساس والحالة التي يغيب فيبها الاحساس-توظيف جمل شرطية ( فعندما تتعطل لن يكون حينئذ اي ...)

موقف هيجل :
اشكاليته : كيف يتحدد الوجـود الانساني ,هل كوجـود مباشر -مثل وجود الكائنات الاخرى- ام وجود واع ام هما مـعا ؟
- يتحدد الوجود الانساني كوجود مزدوج يحـيل على ما هو غريزي ومشترك بينه وبين الكائنات الاخرى اضافة الى الجانب الواعي الذي يميزه عن باقي الكائنات .

السبت، 31 يناير، 2009

المحور الاول : أساس الاجتماع البشري

تمهيد المجتمع
...
يطلق مفهوم المجتمع على مجموع الأفراد، القاطنين في رقعة جغرافية محددة، والذين تجمع بينهم روابط معينة، تثبتها قواعد وضوابط ومؤسسات اجتماعية، ويكفلها القانون.
لا يستطيع الفرد، داخل المجتمع أن يخالف القواعد العامة للتعايش المشترك، أو ينحرف عنها، لأنه إن فعل ذلك، يعرض نفسه للعقاب، أو السخط أو اللوم. وهكذا تمارس القواعد الاجتماعية سلطة على الأفراد تتجلى في القواعد الإلزامية المفروضة عليهم ، وتسمى هذه السلطة بالقهر الاجتماعي. و يخضع المجتمع لمنطق الوعي الجماعي المستقل عن مجوع وعي الأفراد على حدة.
يرتبط ظهور المجتمعات البدائية بالنمو الديموغرافي للمجموعات البشرية بدءا بالأسرة مرورا إلى العشيرة والقبيلة ثم المجتمعات البسيطة وانتهاء بالمجتمعات المركبة.
فما هو أساس الاجتماع البشري: الطبيعة أم التعاقد؟
وما دلالة الفرد؟ وما علاقته بالمجتمع؟
ثم كيف يمارس المجتمع سلطته على الأفراد؟
.
المحور الاول : أساس الاجتماع البشري
.
كيف نشأ المجتمع؟ وعلى أي أساس؟
بالنسبة لأولئك الذين يؤكدون على أولوية الجماعة البشرية على الفرد مثل أرسطو، وابن خلدون وهيجل...، يعتبر المجتمع البشري نتيجة طبيعية أملتها الضرورة على الإنسان بوصفه كائنا يحتاج إلى الآخرين من بني جنسه لتحقيق حاجاته.
يرى ابن خلدون، في تصوره المبدئي للعمران، أن المجتمع الإنساني ضروري ، وهو يقتبس القول المشهور الذي يجري على ألسنة الحكماء (القول الأرسطي) بترديدهم أن الإنسان مدني بالطبع أي لابد له من الاجتماع، ويلتفت ابن خلدون إلى الحقيقة الأزلية التي تتلخص في أن بقاء الإنسان على قيد الحياة مرهون بأمرين أساسيين هما:
· القوت أو الطعام الذي يحتاجه جسمه لكي يعيش وينمو،
· والدفاع الذي يقيه غائلة العدوان
وإن كلا من تحصيل القوت والدفاع يقتضي التجمع أو الاجتماع، والاجتماع يكون بين المرء وبني جنسه، ومن ثم كان طبيعياً أن يعرف بالمجتمع الإنساني.
وعلى نهجه في التوضيح والتفصيل والتحليل، يقرر ابن خلدون أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء الذي يفترض أنه أقل قدر من الحنطة، وأن هذا القدر من الحنطة يحتاج إلى زرع وطحن وعجن وطبخ ، وأن الزراعة محتاجة إلى حصاد ودرس، والطحن والعجن والطبخ ومحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدرات الكثيرة من أبناء الجنس الواحد، ولابد من التعاون بينهم لتحصيل الكفاية من الطعام.
ويخلص ابن خلدون إلى ضرورة المجتمع الإنساني لتحقيق الحصول إلى القدر الكافي من الطعام، وصناعة الأدوات التي تستعمل في الدفاع من رماح وسيوف...، فالإنسان وحده عاجز عن مدافعة الوحوش فلابد له من التعاون مع أبناء جنسه ليكون الدفاع مؤتيا ثماره. يقول ابن خلدون: "وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له – أي الإنسان – قوت ولا غــذاء، ولا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح، فيكون فريسة للحيوانات ، ويعالجه الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر " ، هكذا وبتفكير سهل أقرب إلى العفوية ، وأسلوب سلس يربط ابن خلدون بين التعاون الإنساني في نطاق التجمع وبين فناء النوع البشري إذا حاد عن هذا السبيل. ولكن ابن خلدون يريد أن يصل إلى معنى العمران في نطاق من القول والفكر الأكثر تحديداً فيقول مستطرداً: " وإذا كان التعاون حصل له – أي للإنسان – القوت للغذاء ، والسلاح للمدافعة، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه ، فإذن هذا المجتمع ضروري للنوع الإنساني، وإلا لم يكمل وجودهم وما أراد الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم، وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم " .
أما بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون أن المجتمع (الكل) هو مجموع الأفراد (مجموع الأجزاء) مثل روسو، لوك، هوبز... فمنشأ المجتمع عندهم يرجع إلى الاتفاق بين الأفراد، أو ما يسمى التعاقد الاجتماعي.
يرى روسو إن الإنسان قبل قيام المجتمع "المدني" كان يعيش في حرية كاملة واستقلال تام، ويفترض روسو إن الإنسان كان متوحشاً في الغالب لا يعرف أهله، ولعله لم يكن يعرف أولاده، ولا لغة له، ولا صناعة، ولا فضيلة، ولا رذيلة من حيث أنه لم يكن له مع أفراد نوعه أي علاقة يمكن أن تكون علاقة خلقية كان حاصلا بسهولة على وسائل إرضاء حاجاته الطبيعية ولم يصب إلا بالقليل من الأمراض قلما كان يحتاج إلى الأدوية لأن الصحة إنما تعتل بالإسراف في المعيشة وبالميول المصطنعة وما ينتج عنها من إجهاد جسمي وعقلي. يرى روسو أن الحرية هي التي تميز الإنسان أكثر من الفهم. كيف خرج الإنسان من هذه الحالة؟
اضطرت الظروف الإنسان إلى التعاون مع غيره من أبناء نوعه... تعاوناً موقتاً كان الغرض منه صيد الحيوان... ثم اضطرتهم الفيضانات والزلازل إلى الاجتماع بصفة مستديمة فاخترعت اللغة وتغير السلوك وبرز الحسد.
إن هذا الاجتماع يمثل، في رأي روسو، حالة الطبيعة الخالية من القوانين والردع. ولكن تطور حياة الإنسان واتساع ضروراتها أدى إلى نشوء حالة مدنية منظمة بالقوانين تثبت الملكية ويتوطد فيها التفاوت بين الناس. وهكذا يتحول الإنسان الطيب بالطبع إلى شرير بالاجتماع.لقد أصبح الاجتماع ضروريا ومن العبث العودة إلى حالة الطبيعة. وأصبح من الضرورة إصلاح مفاسده بإقامة حكومة الصالحة وتربية المواطنين الصالحين. وذلك عن طريق إيجاد مؤسسة تحمى بقوة المجتمع وتسمح بأن لا يخضع إلا لنفسه، وبأن تبقى له الحرية التي كان يتمتع بها من قبل.
لم تكن ملكية الأرض مضمونة بما فيه الكفاية. وكان لابد من إيجاد وسائل جديدة لحمايتها. وقد لجأ الأغنياء إلى الحيلة للإيقاع بالفقراء وقد ابتكروا، كما يقول روسو، أذكى خطة عندما قالوا للفقراء نتحد لكي نحمي الضعفاء من الظلم والجور، ونضع قوانين العدل والسلم وبدلاً من أن نستنفذ قوانا في الاقتتال نوحد أنفسنا في سلطة عليا وفق الشرائع الحكيمة... وهكذا قاد تأسيس الملكية الأرضية البشر إلى العقد الاجتماعي. كانت القوانين في البداية، على حد قول روسو، تفتقر إلى بعض الضوابط والمعايير الملزمة للأفراد وكان المجتمع بأسره يضمن احترامها والتقيد بها. لكن سرعان ما أوحى ضعف شكل الحكم هذا فكرة (توكيل أفراد معينين على الوديعة الخطيرة، السلطة العامة). هكذا ظهر الولاة المنتخبون، بما أن الشعب وحَّد إرادته جمعاء في مشيئة واحدة، فيما يتصل بالعلاقات الاجتماعية، فإن كل ما وضع موضوعاً لهذه المشيئة صار قانوناً أساسياً ملزماً لجميع أعضاء الدولة بدون استثناء. وهكذا نجد أن العقد الاجتماعي لا يتمخض، من منظور روسو عن تكوين المجتمع كتنظيم سياسي فحسب، وإنما يحدد أيضاً العلاقات المتبادلة بين الشعب وبين الذين انتخبهم لكي يحكموه.
لقد كان العقد الاجتماعي أداة إرادية تنازل بموجبها الأفراد عن حريتهم الطبيعية لصالح فرد آخر، وأذابوا إرادتهم الفردية في إرادة عامة مشتركة واتفقوا على قبول أحكام هذه (الإرادة العامة) كأحكام نهائية قاطعة، وكانت هذه الإرادة العامة هي السلطة صاحبة السيادة. إن ما يخسره الإنسان من جراء العقد هو حريته الطبيعية اللامحدودة، وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية وهو تملكه لكل ما ملكته يده.
على هذا الأساس يكون المجتمع "المدني" ثمرة للتعاقد الاجتماعي، مثلما أن المجتمع الطبيعي ثمرة للضرورات البيولوجية.