الاثنين، 8 سبتمبر 2008
المحور الاول : اللغة الانسانية واشكال التواصل الحيواني
ان عيش الانسان في اطار مجتمع يجعل من اللغة ضرورة حيوية تحقق التواصل بين افراد المجتمع فنحن بحاجة الى اللغة لانها تستجيب لطلب يومي وهي تعني لدى الحس المشترك فعل الكلام ويعتبر ان هذا الفعل يتوقف على مجموعة من الكلمات او الالفاظ التي يكتبها او ينطقها افراد مجتمع معين بحيث تصبح اللغة خزانا للكلمات بواسطتها يتواصل افراد المجتمع . غير انه يلاحظ ان التواصل الذي يتحقق بفضل اللغة يتم بوسائط اخرى غير الكلام كالحركات والايمائات الجسدية وان كان الكلام هو الحدث اللغوي الاكثر امتيازا نظرا لرتباطه بالتاسيس الاجتماعي للغة ولذلك اعتبر مفهوم اللغة من اكثر المفاهم التي اهتمت بها الفلسفة كما انها اصبحت موضوعا علميا يدرس ضمن مجالات متخصصة كالسانيات وداخل هذا الحقل ظهرت مجموعة من التميزات بين كل من اللغة , الكلام , اللسان . فاذا كان الكلام فعل فردي يفترد في الارادة والحرية فان اللسان منتوج اجتماعي يتأسس على مجموعة من التعاقدات التي تتم خارج ارادة الافراد وبهذا فاللغة تتضمن مفارقة فرغم كون الكلام فرديا غير انه لايتم الى من خلال استعمال اللسان باعتبار ان الفرد لايعيش الا في ايطار اجتماعي ومن هنا يظهر لنا ان مفهوم اللغة يضمن امام مجموعة من التقابلات تجعل منه مفهوما اشكاليا فهي من جهة نشاط فردي يفترد فيه الحرية والارادة ( الكلام ) ومن جهة اخرى هي نسق يلتزم به الافراد بشكل موضوعي وقسري ( اجباري ) وهي تعبير عنه في شكل معاني ودلالات ونتاج له في الوقت ذاته من هنا يمكن طرح الاسئلة التالية:
-هل تقتصر اللغة على فصل الكلام ام انها نسق تشمل حركات واشارات ورموز وهل يمكن اعتبار اشكال التواصل الحيواني لغة ام انها خاصية انسانية ؟
-هل يمكن ان نتصور وجودا للفكر استقلالا عن اللغة ام ان وجوده نتاج لها للغة ومتزامن معها ؟
-هل تقتصر وظيفة اللغة على التواصل والتعبير عن افكارنا في وضوح تام ام انها يمكن ان تتحول الى اداة قمع وسيطرة ؟ ومن اين تستمد اللغة قوتها على الزام الافراد هل من ذاتها ام سلطة القوانين الاجتماعية ؟
المحور الاول : اللغة الانسانية واشكال التواصل الحيواني
: الوضعية المشكلة
باعتبار الانسان كائن اجتماعي بانه يتواصل مع بني جنسه عبر اللغة فهل يمكن اعتبارها مقتصرة على فعل الكلام ام انها نسق يشمل الحركات والاشارات والرموز ؟ وهل يمكن اعتبارها خاصية انسانية ام انها مشتركة بين الانسان والحيوان خاصة وان نلاحظ اشكال تواصلية عند بعض الحيوانات
: موقف بينفست
الاشكالية : هل يمكن اعتبار العلاقة بين الانسان واشياء الطبيعة مباشرة وتلقائية ام انها تفترض وسيط وهو جهاز الرمزي ؟
اطروحة النص : يتميز الوجود الانساني على باقي الكائنات بحضور جهاز رمزي الذي هو بمثابة وسيط بين الانسان واشياء العالم الخارجي بحيث لاتكون له علاقة مباشرة بها
عناصر الاطروحة : تتميز اللغة بكونها تحمل مظهرين : مظهر مادي تتمثل في الادوات ومظهر لامادي يحيل على المدلولات التي تنتظم عبر التمفصل في لسان مشترك وتعبر عن الفكرة والاشياء
-ان السمة التي تبعد الانسان عن المجال الطبيعي هو امتلاكه الجهاز الرمزي الذي يشكل الوسيط بينه وبين العالم كذالك بينه وبين الانسان بحيث يتيح له التعبير عن الاشياء دون عناء التنقل
: موقف ديكارت
الاشكالية : هل يمكن اعتبار اللغة هي مجموعة اصوات صادرة عن الجهاز الصوتي ام انها تتجاوز ذالك لتكون لها علاقة بالفكر ؟ وهل يمكن اعتبار الاصوات الصادرة عن الحيوانات لغة ام انها خاصية انسانية ؟
اطروحة النص : اللغة خاصية انسانية تستلزم حضور الفكر لذالك يتم استبعاد الاصوات الحيوانية التي هي مجرد تعبير عن الانفعلات الغريزية .
عناصر الاطروحة : يختص الانسان بكونه يستعمل اللغة حتى في الحلات التي يعاني فيها النقص ( الصم - الجنون ) في مقابل الحيوان الذي يعجز عن استعمال اللغة بالرغم من استعداده للنطق ببعض الاصوات ( الببغاء )
-يستبعد ديكارت اللغة عن الحيوان نظرا لما يصدر عنه من مجرد انفعالات غريزية يعبر عنها بشكل تلقائي بينما اللغة الانسانية تعتمد على الفكر وهذا ما يجعلها تختص به
: خلاصة تركيبية
ما يصدر عن الحيوان هي اصوات وتعابير لا تندرج ضمن اللغة وان كانت تحقق التواصل عند بعض انواع الحيوانات في المقابل نجد اللغة لها ارتباط بالفكر وهذا مايجعل منها خاصية انسانية في حدود العلاقة.
بين كل من اللغة والفكر ؟ هل هناك اتصال ام انفصال ؟
الأحد، 7 سبتمبر 2008
المحور الثاني : اللغة والفكر
يستطيع الإنسان بواسطة اللغة أن يتمثل الواقع في الذهن دونما حاجة للتقيد به، ويستطيع استحضاره في صورته وشكله الماديين والتفكير فيه دونما حاجة لاسترجاعه... وهذا ما يحيل إلى طبيعة العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر:
إن الوقائع والملاحظات التي تدفع للاستنتاج بأن الفكر سابق ومستقل عن اللغة متعددة. فهناك من جهة تعدد الأنظمة الدالة بتعدد الألسن بل وتعدد أنساق العلامات التي يستخدمها الفرد الواحد للتعبير عن نفس الفكرة من حركات وإيماءات ورموز متنوعة مما يدفع إلى القول باستقلال الفكرة عن العبارة لإمكانية انفصال الفكرة عن علامة ما وارتباطها بأخرى: هناك إذن نوع من تعالي الفكر على أداته اللغوية، ومن جهة أخر يتبدى الفكر سابقا على اللغة عندما يبحث الإنسان طويلا عن كلمات مناسبة للتعبير عن فكرة ما. لهذه الأسباب يفترض الحس المشترك أننا نفكر أولا ثم نعبر ثانيا أي ننتقل بعد التفكير إلى إلباس أفكارنا بكلمات ملائمة.« L’homme pense sa parole avant de parler sa pensé » . وفي مثل هذه الحالة لن تكون الكلمات والجمل سوى أداة بعدية تساعد على إظهار منتوج عملية التفكير التي تتم قبل وبدون اللغة. وإذا كانت الكلمات والجمل ضرورية لتبليغ نتاج عملية التفكير للآخرين فإنها بالمقابل غير ضرورية لحدوث عملية التفكير ذاتها. هنا تحصل مقابلة أو معارضة الوظيفة المعرفية للفكر بالوظيفة التواصلية للغة.
يمكن أن نجد سندا لهذا الموقف عند ديكارت لا سيما في ثنائية النفس/الجسم: فالفكر لامادي مرتبط بالنفس بل هو طبيعتها المميزة لها، أما اللغة فتنتمي للجسم بسبب طبيعتها المادية (الأصوات، الكتابة...) ومن غير الممكن تصور علاقة اتصال بين هاتين الطبيعتين المتمايزتين، إلا أن تكون اللغة مجرد أداة أو وسيلة للتعبير عن الفكر القائم بذاته. لهذا ينعت مثل هذا التصور بالتصور الأداتي للغة. فإلى أي حد يصمد هذا التصور أمام النقد وإلى أي حد يعبر فعلا عن حقيقة العلاقة بين اللغة والفكر؟
توقف ميرلوبونتي عند هذه العلاقة الإشكالية بين اللغة والفكر مستخدما المنهج الفينومينولوجي المعتمد على وصف المعطيات المباشرة للوعي قبل تدخل النشاط الإدراكي التنظيمي للعقل، ليبين المآزق النظرية للتصور الأداتي الذي يعتبر اللغة والفكر كيانين متمايزين في حين أنهما سيرورتان متزامنتان. لا ينبغي على مستوى التعبير وصف اللغة بكونها علامة أو لباسا للفكر لما يفيده ذلك من اعتباطية العلاقة وانفصالهما كما ينفصل الدخان عن النار رغم كونه علامة عليها، والأجدر وصف اللغة بجسد الفكر أو شعاره لأن كلا منهما محتوى في الآخر: فالمعنى يؤخذ من الكلام؛ أو كما تقول اللسانيات البنيوية مع كريستيفا مثلا، فالمعنى لا يوجد خارج شبكة التقابلات والاختلافات التي تجمع بين الكلمات المنتمية لنسق لساني ما. بل إن الكلام يملك قوة للدلالة خاصة به، بدليل أن المعاني الجديدة تظهر دائما بمناسبة اشتقاق ألفاظ أو تراكيب أو تعابير جديدة كما يفعل الأدباء. إن فاعلية الإنسان الذهنية والمعرفية تتعامل مع الكلمات أكثر مما تتعامل مع الأفكار وإلا لماذا يتذكر الإنسان كلمات وجملا على نحو أيسر مما يتذكر أفكارا بل إن استدعاء هذه يتطلب أولا استدعاء تلك؟ وبعبارة أخرى فالكلام هو الوجود الخارجي للمعنى وحضور الفكر داخل العالم المحسوس مثلما أن الفكر هو التمظهر الداخلي للكلام، وليس التفكير الصامت كما يعتقد البعض، إنه بالأحرى ضجيج خافت من الكلمات. وهذا ما أكدته الدراسات العلمية الحديثة في مجال فيزيولوجيا الدماغ. لقد وجد أن الباحات المسؤولة عن الكلام تنشط (أي تصدر إشارات كهروميغناطيسية) حتى عندما يفكر المرء في صمت. هكذا ينتهي ميرلوبونتي إلى التوحيد بين اللغة والفكر باعتبارهما وجهان لنفس السيرورة المعرفية، رافضا التصورات الفلسفية القائمة على ثنائيات اللغة/الفكر أو الخارج/الداخل.
يؤكد ميرلوبونتي وحدة اللغة والفكر متسائلا: لماذا تكون الذات المفكرة نفسها في حالة عدم معرفة بأفكارها مادامت لم تعبر عنها ولو لذاتها؟ وبالتالي فالفكرة التي تكتفي بأن توجد بذاتها خارج نسيج الكلمات ستسقط في اللاوعي بمجرد ماتظهر. ومن ثم فنزوع الفكر نحو التعبير ليس نزوعا بعديا، بل هو نزوع صميمي نحو الوجود والاكتمال.
ويرى دوسوسير بأن الفكر بمعزل عن الكلمات لا يعدو أن يكون سديما أو عماءا ضبابيا أي كتلة غير متميزة. لذلك يتعذر التمييز بين فكرتين أو معنيين كالاحترام والتقديس مثلا دون الاستعانة بالوحدات اللسانية المقابلة لهما. مما يسمح بالقول إن الفكر كتلة متصلة ممتدة لا يمكن أن نتبين منه شيئا ما لم يتجزأ وينقسم وفق الوحدات اللسانية أي الكلمات، فهناك إذن علاقة جدلية، الفكر واللغة فيها أشبه بوجهي ورقة النقد لا يمكن تمزيق وجه دون المساس بالآخر. ثم ماذا لو سألنا أنفسنا : مالفكر؟ إنه ما تنتجه فعالية التفكير؟ وماالتفكير؟ إنه من الوظائف العليا للدماغ وهو مفهوم يجمع سيرورات جزئية كثيرة: كالتذكر والتحليل والتركيب والمقارنة والترتيب والتجميع والتمييز والربط والفصل...إلخ. ومن البين أن هذه السيرورات والعمليات المجردة غير ممكنة بدون أدوات رمزية هي الوحدات اللسانية.
كل ماسلف يؤكد العلاقة الجدلية وعلاقة التزامن لا الأسبقية بين اللغة والفكر. وقد عبرت عن ذلك اللغة اليونانية بأن أطلقت لفظة اللوغوس Logos على اللغة والعقل معا. ولكن هل تجيز هذه الدلائل الإسراع بإعلان أن حدود الفكر هي حدود اللغة ؟ وأنه حيث تتوقف هذه يتوقف ذاك؟
ينبغي التروي، إذ توجد دلائل أخرى كثيرة على امتداد الفكر خارج دائرة اللغة وأبعد من حدودها: منها لجوء العلماء إلى اصطناع لغات رمزية للتعبير عن العلاقات أو الوقائع التي يكتشفونها، ومنها تجاربنا الوجدانية التي تبلغ أحيانا من الخصوصية والحدة درجة يستحيل معها كل تعبير لغوي ، فيما يمدنا المتصوفة بدليل آخر من تجاربهم الروحية: فما يعيشونه من أحوال وما تحصل لهم من مشاهدات وما يبلغونه من مراتب إيمانية يتجاوز بكثير كل الإمكانت التعبيرية للغة المتداولة من هنا لجوؤهم إلى الرمزيات أو إحجامهم عن التعبير. لقد رد هنري برغسون عجز اللغة هذا إلى منشئها نفسه: فهي أصلا أداة ابتكرها العقل المنطقي المنشغل بالتعامل مع المادة والاستفادة منها عن طريق تجزيئها وإخضاعها للقياس وتصنيفها ضمن مقولات عامة، طلبا للانتفاع والمردودية، ولا يمكن لمثل هذه الأداة أن تعبر عما هو وجداني خاص متصل غير قابل للتجزؤ وغير منطقي بالضرورة، عن تيار متدفق صفته أنه متصل كيفي أو "ديمومة". يقول برغسون: "كل منا يحب ويكره بطريقته الخاصة، وهذا الحب والكراهية يعكسان شخصيته بكاملها. إلا أن اللغة ترمز إلى هاتين الحالتين بنفس الكلمات لدى كل الناس، فلا تعبر من ثم سوى عن الجانب الموضوعي اللاشخصي في الحب والكراهية وآلاف العواطف الأخرى". إن الكلمات لا تأتي فقط غير متوافقة بل ومتأخرة أيضا، ففي ذروة الألم لا يملك الإنسان غير الصياح فقط، ولا يتكلم عن الألم ليصفه، أو ليصف ذكرياته ومخلفاته إلا بعد هدوئه أو زواله، لذا يقول ألفونس دوديه: "لنتساءل في البداية عن مدى قدرة الكلمات عن التعبير عن الألم الحقيقي، إنها تأتي دائما متأخرة بعد أن يكون كل شيء قد عاد إلى سابق أوانه. إن الكلمات لا تعبر سوى عن ذكريات فهي إذن كاذبة عاجزة".
اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن فكر جاهز ومكتمل. إن التفكير والتعبير سيرورتان متزامنتان ومظهران لنفس الوظيفة المعرفية المميزة للإنسان، دون أن يعني ذلك قدرة اللغة على استنفاذ غنى الفكر وإمكاناته المتعددة.
الجمعة، 20 يونيو 2008
المحور الثالث : الشغل بين الاستلاب والحرية
السؤال الإشكالي:
هل يمثل الشغل عامل تحرر أم عامل استلاب، غاية أم وسيلة، رتابة أم إبداعية؟
- سارتر: يؤكد سارتر على أن الشغل هو الذي يمنح إمكانية الشروع في التحرر انطلاقا من وعي العامل المقهور باستعباده في عمله. تتجلى أهمية موقف سارتر في كونه يعتبر الشغل عنصرا أساسيا لتحرير العامل المستعبد من طرف نظام الشغل المستبد ، كما يعتبر إن حالة الرفض التي يمثلها العامل لوضعيته المتأزمة بمثابة وعي وحرية.
-كارل ماركس: يعتبر ماركس أن الشغل عامل استلاب وتحرر في الوقت ذاته ففي النظام الرأسمالي لا يعدو أن يكون الشغل سوى وسيلة لاستلاب الذات وقهرها وإذابتها وقتلها بحيث أصبح الشغل نشاط مستهلك في ظل شروط إنتاج يتم فيها شراء قوة العمل. وهدا الإحساس بالاستلاب يظهر من خلال نفور العامل من الشغل حيت يحس داخله بالشقاء والتذمر ، وانهيار نفسي وإرهاق يمنعه من تطوير طاقاته وتحقيق ذاته وتكون النتيجة الحتمية هي مايلي :فعوض إحساس الإنسان بكينونته داخل العمل أصبح يبحث عن ذاته في أوقات الفراغ في أعمال تعتبر مجرد وظائف حيوانية... إن الاستلاب في نظر الماركسية ليس سوى نتيجة حتمية للاستغلال الناتج بدوره عن الملكية الخاصة لوسائل الإنتاج.
خلاصة
إن الشغل ظاهرة استأثرت باهتمام الفلاسفة والسياسيين و السوسيولوجيين وعلماء الاقتصاد وغيرهم . ففي الوقت الذي يرتبط فيه الشغل عند البعض بالإنتاجية والتقنية والتصنيع والتقدم والتخلف...الخ يرتبط عند الآخرين بالالتزام وخلق الذات للذات وخلق الذات للآخر والرغبة والحرية والاستلاب ،ومهما تعددت الأطروحات فإننا لا نستطيع أن نتصور العالم اليوم دون ظاهرة الشغل أو حياة ليس فيها عمل إلا إذا كنا طوباويين أو مستغرقين في أحلام اليقظة. فالشغل وحده يستطيع أن يحقق للإنسان إنسانيته ويضمن له كرامته. إننا اليوم نوجد بالقدر الذي نعمل، بل أصبح وجودنا متوقف على الشغل ، من خلاله نستطيع أن نتفاعل مع ذواتنا ومع الآخرين وهو الكفيل بان يقيم التصالح بيننا وبين أنفسنا وبيننا وبين مجتمعنا
